![]() |
محنة كعب بن مالك
محنة كعب بن مالك (1 -2)
آيات كثيرة نزلت في مناسبات معينة، ولكن العبرة كما يقول الأصوليون بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كله في محاولة منهم لاستنباط القوانين الاجتماعية من الحدث المنفرد. وكعب بن مالك نزل فيه قرآن، وهنا جمال القصة وروعة الوحي والتنزيل، إنه قرآن سيقرأ حتى يوم الدين، بعد أن يكون صاحب القصة قد شبع موتا عبر القرون. ولكن ذكرى القصة ستبقى وتتلى وتبكي عيونا كثيرة تأثرا بالقصة وكيف نجح صاحبها في المحنة بعد شهرين؟ "لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ". هكذا جاءت الآية 117 من سورة التوبة.. وتأتي الآية التي بعدها "وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ". إنها آية واحدة ولكن خلفها قصة عظيمة، هي قصة كعب بن مالك! فقد كان الوقت صيفا قائظا حين أمر النبي (ص) الناس بالنفرة، وحدد لهم أن الطريق هو للشمال، وكانت آخر غزوة وأعظمها إطلاقا وأكبرها أثرا أين وصل الإسلام وقوته واعترافا من دولة بيزنطة بالقوة الجديدة؟ كانت العادة أن يعلن النبي (ص) عن شيء وينطلق في اتجاه مخالف؛ فالحرب خدعة ومكيدة، هذه المرة أعلن الرسول (ص) أنه خارج باتجاه الأردن الحالية، وهي مسافة تصل إلى أكثر من ألف كيلومتر من حافة المدينة إلى الأراضي الأردنية الحالية، حتى يستعد الناس لها جيدا. كان التجمع هائلا وصفته سورة التوبة جيدا. كان الناس متطوعة يجهزون أنفسهم بخيل وجمل وسلاح، وكيف جاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله، وكيف جاء البكاؤون الذين وصفهم القرآن بأن الرسول (ص) قال لهم لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألايجدوا ما ينفقون، فتمضي الرحلة، وقلوبهم مع الرحلة، والدمع يجري على الوجنات.. إنهم فعلا في الرحلة بقلوبهم.. ولكن هناك من يتردد ويقدم رجلا ويؤخر أخرى ويتكاسل فلا يلتحق بالحملة العسكرية. إن المجتمع النبوي ليس فيه جيش إلزامي كما في الجيوش الحالية، بل كله من المتطوعة جاهز للجهاد في كل لحظة، فإذا انتهت المعركة رجع الجنود يفلحون الأرض ويزرعون ويصنِّعون. يسأل نبي الرحمة (ص) عن كعب بن مالك ماذا فعل؟ إنه يتفقد أصحابه المهمين فردا فردا.. يجيب أحدهم إنه مهتم بملابسه ومنظره وأناقته: حبسه برداه والنظر في عطفيه. ينبري آخر فيدافع عنه: لم نعرف عنه إلا خيرا. وتمضي الرحلة وتغيب عن الأنظار وفات وقت اللحاق.. الآن رجعت الحملة العسكرية بأفضل النتائج بوثيقة مع إمبراطوريات الجوار بدون معارك عسكرية. يفكر كعب بن مالك ماذا يفعل؟ فيكتشف نفسه أن الصدق أفضل شيء! وبذلك يواجه النبي ليقول إنني رجل أوتي جدلا، ولو جلست بين يدي أي رجل آخر من الدنيا لاختلقت الحجج والأعذار وأعذرت، ولكن ليس لي من عذر! والله ما كنت يومها أغنى ولا أقوى من ذلك اليوم! يلتفت النبي لأصحابه ويقول: أما هذا فقد صدق انصرف حتى ينزل حكم الله فيك.. وتبدأ المقاطعة الاجتماعية تحكم نسيجها حوله لدرجة الاختناق! محنة كعب بن مالك؟ (2-2) وتبدأ مقاطعة مخيفة من كل المجتمع لثلاثة هم كعب بن مالك وآخران هلال بن أمية الواقفي وآخر. يدور في الأسواق لا أحد يسلم عليه! يأتي بستانا لابن عم يحبه فيتسلقه عليه فلا يسلم عليه فيناشده الله ورسوله هل يعلم عنه إلا أنه يحب الله ونبيه فيجيبه بكلمة مقتضبة الله ورسوله أعلم! يأتي للمسجد فيصلي فيتجنبه الجميع بدون سلام وكلام! إنه المنهي في الحديث معه! ويرمقه النبي بعينه في الصلاة، فإذا التقت عينه بعين النبي (ص) أشاح النبي (ص) وجهه عنه! إنها كارثة اجتماعية وموت بطيء فماذا يفعل؟ في هذه اللحظات يأتيه خطاب ملك الروم فالجواسيس شغالة وانتظار فرص تفكيك المجتمع النبوي مغرية! يقول الخطاب: بلغنا أن صاحبك جفاك فالحق بنا نواسك! إنها أيضا من البلاء! هكذا يردد كعب! ثم إنه يمم بها التنور فسجرها (أحرق الخطاب في نار التنور بدون رجعة)، ثم تصعيد جديد للمقاطعة ألا يقرب زوجته! يسأل هل يطلقها؟ لا فقط اعتزلها! يصرف زوجته ويسأل عن صاحبيه الآخرين اللذين يشاركان نفس المصير! أحدهما كان شيخا طاعنا في السن! تقول زوجته يا رسول الله هو في حالة بكاء مستمر لا يقربني وهو ضعيف فيسمح لزوجته بخدمته ولكن لا يقربنك! وبذا حظر عليهم الاتصال الاجتماعي بل الاتصال الجنسي بالزوجات.. وتصاعدت المحنة من كل جانب، وهو ما جاء في التعبير القرآني أن الأرض ضاقت عليهم بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لاملجا من الله إلا إليه .. ثم جاء الفرج بعد خمسين ليلة حين نزل القرآن يبرئ ساحتهم ويتوب عليهم.. على الثلاثة تعيينا.. كان الرسول (ص) يسمع من المنافقين الذين يعتذرون ويقبل أعذارهم ثم يصرفهم، أما كعب بن مالك فقد قال له أما هذا فقد صدق. ويبدأ في محنته العظمى، أما المنافقون فليسوا بأهمية إنزال عقوبة بهم! كانت العقوبة للصادقين امتحانا لهم وتثبيتا لقلوبهم! ثم يأت الفرج والفتح المبين ينزل القرآن على النبي بالآيات البينات! ينطلق المبشر إلى كعب بن مالك، ومن بعيد وهو على ظهر فرس من طرف جبل سلع يصيح فرسان يا كعب أبشر... حين يصل البشير يخلع كعب ثوبه ويهديه إياه ثم ينطلق إلى المسجد ليقابل رجلا كأن وجهه فلقة قمر من الفرح لمصير هؤلاء الثلاثة الذي خلفوا وتاب الله عليهم.. لقد ولدوا ولادة جديدة.. إنه وجه النبي البدر في الظلمات (ص). من شدة الفرح يريد كعب أن ينخلع عن كل ماله لله تعالى فيوصيه النبي (ص) بالتريث والاقتصاد، ويقول يكفي الثلث والأهم من ذلك الولادة الروحية الجديدة. "أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها". إنها دروس تربوية نحتاجها كل يوم.. يقول له النبي (ص) "إنه خير يوم طلع عليك منذ ولادتك ياكعب".. كم هي لحظات خالدات جميلات أن يولد الإنسان بريئا طاهرا طفلا رائعا.. براءة من الله كما هو عنوان سورة براءة.. وكما تبرأت السورة من المشركين في أولها، كذلك نزلت في آخر السورة من جديدة براءة جديدة وتوبة لهؤلاء الثلاثة الذين دخلوا المحنة الأعظم في حياتهم، فلو أضيفوا إلى قائمة المنافقين لأصبحوا من الكافرين الذين لفظهم المجتمع، ولكنها كانت محنة هاصرة عاصرة منقية مطهرة من الشوائب. أحاول أن أتخيل هذا الصحابي وكيف صار يمشي للمسجد بعد ذلك! كيف كان يتأمل الحياة من جديد! بل وكيف ينظر له الصحابة بحبور، ويقولون هذا منَّ الله عليه فذكره في الكتاب الحكيم، هذا الذي نزل فيه القرآن وصاحبيه. وكلما تلونا هذه الآيات الخالدة نتذكر محنة كعب بن مالك رضي الله عنه، وكيف تجاوز الامتحان ونجح وأخذ يأمل أن ينجح في الامتحان الأخير فيفوز بالجنة.. عليهم رضوان الله أجمعين... إنني أبكي حين أذكر قصص أولئك الرعيل ويعتريني خشوع وكهرباء تحت الجلد وأنا أتأمل المستوى من التحليق الذي وصلوا إليه، والطهارة التي نعموا بها، مقابل وضعنا المهترئ المسكين حاليا، فبعد أن كنا خير أمة أخرجت للناس أصبحت في خانة جديدة وقدر مختلف ومصير مرسوم باتجاه الانحطاط.. كما أراها في الانتخابات المزورة، والاقتتال الطائفي، والانحطاط المدني، والديكتاتوريات المبعثرة في خارطة المنطقة. على أمل الانبعاث والتجديد والنهضة ولو بعد حين! "قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا".... فلنأمل برحمة الله. ليتنا عشنا ومتنا معك يارسول الرحمة. خالص جلبي (جريدة الوطن) 2010-12-20 2:39 |
الله يجزاكي خير اديم
دائما اعظم القصص قصص القرآن الكريم |
الله يجزاكي خير كل كلمة في هذه القصة قراتهاا فعلا ليتنا مع اصحاب النبي صلى الله علية وسلم
امتعتني القصة بكل كلماتهاا |
الساعة الآن 05:26 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
F.T.G.Y 3.0 BY: D-sAb.NeT © 2011
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010